صديق الحسيني القنوجي البخاري
286
فتح البيان في مقاصد القرآن
والعاتق يمينا وشمالا ، ولكل إنسان ترقوتان ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت ، ومثله قوله تعالى فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] وقيل معنى كلا حقا أي حقا أن المساق إلى اللّه إذا بلغت التراقي ، والمقصود تذكيرهم بشدة الحال عند نزول الموت قال دريد بن الصمة : ورب كريهة دافعت عنها * وقد بلغت نفوسهم التراقي وَقِيلَ هذا الفعل وما بعده من الفعلين معطوف على بلغت مَنْ راقٍ أي قال من حضر صاحبها من يرقيه ويشتفي برقيته ، قال قتادة التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء اللّه شيئا وبه قال أبو قلابة ومنه قول الشاعر : هل للفتى من بنات الموت من واق ؟ * أم هل له من حمام الموت من راق ؟ وقال أبو الجوزاء هو من رقى يرقى إذا صعد والمعنى من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ، وقيل إنه يقول ذلك ملك الموت وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها ، وقال ابن عباس : في قوله وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ، وهذا الاستفهام يجوز أن يكون على بابه وأن يكون استبعادا وإنكارا ، وراق اسم فاعل إما من رقى يرقي بالفتح في الماضي والكسر في المضارع من الرقية وهي كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى ، وفي الحديث « وما أدراك أنها رقية » « 1 » ، يعني الفاتحة وهي من أسمائها ، وإما من رقي يرقى بالكسر في الماضي والفتح في المضارع من الرقي وهو الصعود ، يقال رقى بالفتح من الرقية وبالكسر من الرقي . وَظَنَّ أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي وسمي اليقين ظنا لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لها ولا ينقطع رجاؤه منها أَنَّهُ أي ما نزل به الْفِراقُ من الدنيا ومن الأهل والمال والولد . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به ، وقال جمهور المفسرين المعنى تتابعت عليه الشدائد وقال الحسن : هما ساقاه إذا التفتا في الكفن ، وقال زيد بن أسلم التفت ساق الكفن بساق الميت ، وقيل ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه ، وقد كان جوالا عليهما ، وقال الضحاك : اجتمع عليه أمران شديدان الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه ، وبه قال ابن زيد : والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد الكبار والمحن العظام ، ومنه قولهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإجارة باب 16 ، والطب باب 33 ، 39 ، ومسلم في السلام حديث 65 ، 66 ، وأبو داود في البيوع باب 37 ، والطب باب 19 ، والترمذي في الطب باب 20 ، وابن ماجة في التجارات باب 7 ، وأحمد في المسند 3 / 2 ، 10 ، 44 .